الرئيسيةدخولالتسجيل
بسم الله الرحمن الرحيم " قل هذه سبيــلى أدعــو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين " صدق الله العظيم

شاطر | 
 

 الصراط المستقيم، في الدنيا؟ أم في الآخرة؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
MF_Wahab



عدد المساهمات : 41
تاريخ التسجيل : 08/05/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: الصراط المستقيم، في الدنيا؟ أم في الآخرة؟   السبت 29 مايو 2010, 12:54 am

هل هو كما يقال جسر فوق جهنم أحدُّ من السيف وأدقّ من الشعرة! منهم من يمشي عليه مسرعاً يوم القيامة ومنهم من يمشي جثياً ومنهم زحفاً، ومن قدَّم كبشاً (خروفاً) ذبحه امتطاه يوم القيامة فوق الصراط وتمسَّك بقرنيه فيجوز به عن الصراط. ومنهم من يجتازه بسرعة البرق الخاطف، ومن سقط عنه سقط في نيرانٍ تلظَّى!

فهل هو مادة يا ترى، ولا يرى إلاَّ في الآخرة. أم هناك معانٍ سامية وجليلة إذا سمعتها الآذان أزيل الوقر عنها، وإذا عقلتها القلوب انجلت وتفتحت وزال عنها الران, فغدا صاحبها من ذوي الصفات العلية والإنسانية المثلى يهتدي بها ويدل الخلْق عليها.
------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------


الجواب:

من سورة الفاتحة آية: {اهدنا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}.

الصِّرَاطَ: هو الطريق وهداه إلى الطريق أي: أرشده وبيَّنه له وعرَّفه به، وفي هذه الآية من سورة فاتحة أمِّ الكتاب تطلب من خالقك بعد إيمانك به والتجائك إليه (لتدخل نفسك بمعيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه تعالى وتعوذ بجنابه)، فأنت على الصراط المستقيم بمعية السراج المنير صلى الله عليه وسلم الذي يُوصلك للأمان الأبدي لحضرة الله.

فإن غدوت على الصراط المستقيم أي على الطريق الصحيح القويم الموصل إلى الله مستنيراً بنوره تعالى بأعمالك الطيبة وأقوالك الصادقة، فقد وفَّيت بما عاهدت عليه ربَّك بالأزل أنَّك إن جئت إلى الدنيا تبقى بالنور الإلهي المزدان بالتجلي العالي متمسكاً به صلى الله عليه وسلم لكيلا تضل أبداً فإذا صرت في حضرة الله تطلب منه تعالى أن يتجلى عليك بنوره لترى طريق الحق، وليستبين لك طريق الرشاد بكلِّ أمر من أمور حياتك وتغدو أعمالك كلها صالحة وكلها مدارج لمعا رجك بالجنَّات بالآخرة.

إن للأشياء صورة وحقيقة. فالعين بواسطة نور الشمس ترى من الأشياء صورتها دون حقيقتها, وذلك لأن خيال الجسم يرتسم على الطبقة الشبكيِّة في العين، وهنالك تراه النفس وتشعر به، فالنفس والحالة هذه لا ترى إلا الخيال والصورة ولا تستطيع أن تشهد الكُنْه والحقيقة.

ورؤية الحقيقة لا بد لها من نورٍ قوي أقوى من نور الشمس، ومن بصر نافذ حديد يصل إلى اللب، وذلك النور القوي الذي يكشف لك الحقيقة البينة الواضحة، هو نور الله تعالى وذلك البصر النافذ الحديد إنما هو نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاتها وكليتها فهي قدسية مجردة عن كل حجاب يحجبها.

بهذه الآية الكريمة إن أصبحت في التجاء لله عندها تقبل بنفسك على الله وتستهديه وتطلب منه أن يتجلى عليك بنوره عن طريق رسوله فإذا صدقت في توجهك وطلبك حقاً فهنالك تحصل لك التقوى وهي الاستنارة الدائمية من الله تعالى، إذ يجمع تعالى نفسك مع نفس رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم المنيرة المستنيرة دوماً، عندها أنت على صراط مستقيم، وبنوره صلى الله عليه وسلم الذي يصل بك إلى نور الله تعالى الأصل، يكشف لك هذا النور الإلهي العظيم حقيقة الأشياء فتميز خيرها من شرها، ويكون لك من الله تعالى فرقان يريك طريق الحق واضحاً نيِّراً، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (28) سورة الحديد.

فهذا النور الإلهي الذي توصَّلت إليه بإيمانك برسول الله صلى الله عليه وسلم السراج المنير يضيء لنفسك طريق الحق، أي أن نور رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو ينبوع الخيرات مهبط تجليات الحق والموصل لنور الله , إن أشرق بنفسك فأنت على هذا الصراط المستقيم الذي به ترى الخير من الشر. والمؤمن الصادق مع الله والمخلص بنفسه لنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم يستهدي ربه به في سائر شؤونه ويستلهمه الرشد والصواب في كل أمر من أموره فهو دوماً على نور وهدى، وسيره ضمن الحق والصواب والخير، لأنه دوماً متمسّك بمن لا يخطئ أبداً صلى الله عليه وسلم ، مرتبط مستشفع به. كما استمسك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذا نجحوا وفازوا.

وفي الحديث القدسي الشريف: «يا عبادي: كلكم ضال إلاّ من هديته، فاستهدوني أهدكم...» صحيح مسلم (2577)، الجزء الرابع.

اللهم إهدنا جميعاً صراطك المستقيم الذي هو طريق رسولك محمَّد صلى الله عليه وسلم إليك فهو صراط الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

فإذا حصلت لك التقوى هذه، وصرت ذا بصيرة عند تلاوة الفاتحة فهنالك ترى أن الكون كلّه مشمولٌ بالعدل وقائمٌ بالحق وتشهد أن الخلق كلَّهم مسيرَّون بالعدل والرحمة والفضل ولكن لا يعلمون ولو آمنوا بالله من آلائه الكونية لعلموا ولاستناروا، فلا يُسلّط الحاكم الغاشم إلا على امرئٍ مسيءٍ ظالم، ولا يعتد الجاني المجرم إلا على معتدٍ أثيم، ولا يسوق الله صاحب المعروف والإحسان إلا لعبدٍ صدر منه المعروف وصدر منه الإحسان.

ولهذا فإنك تحمد الله على كل مجريات الأمور في هذا الكون صغيرها وكبيرها، حقيرها وجليلها، وتراها كلها مشمولة بالرحمة والحنان والعطف الإلهي والكمال والبهاء، وعائدات الأمور كلها لخيرك وخير الخلْق جميعاً، فتهيم حبّاً بالله وحبّاً برسوله صلى الله عليه وسلم الذي هداك، وتطلب من الله أن يجعل تسييرك في دنياك دوماً على هذا الصراط المستقيم، أي برسوله السراج المنير صلى الله عليه وسلم استشفاعاً على الطريق القويم ضمن تعاليمه في كتابه السماوي العظيم والذي تتلو بعضاً من قوانينه وإرشاداته بآيات الذكر الحكيم لتطبقها فتكون من السعداء الراضين المرضيين وليعود عليك سلوكك على هذا الصراط المستقيم دوماً بالنعمة والخير العميم.

وتعلم أن من به اقتديت ولنفسه صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غدوت على الصراط المستقيم فاستقامت به حياتك وأخلاقك وصرت قدوة حسنة وعنصراً بنّاءً في الأسرة والمجتمع، لا بل للإنسانية جمعاء، إنه صلى الله عليه وسلم به طريق الذين أنعم الله عليهم كما كان الصحابة الكرام.

أي: اجعل يا إلهي عملي بتمسكي بهِ صلى الله عليه وسلم كله إحساناً لخلقك وسيري خالصاً في خدمة عبادك واجعلني ممن عاملوا خلقك بالخير والإحسان كمن أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فاستحقوا منك النعمة والإحسان ولا يتقرب المتقربون إليك إلا بخدمة خلقك، فاجعلني يا إلهي في زمرة عبادك المحسنين الذين تفانوا في خدمة خلقك، ففازوا برضائك وكافأتهم على إحسانهم بديمومة الصحبة النفسية مع نعمتك صلى الله عليه وسلم ، رسولك النبي الأمي صلى الله عليه وسلم بابك العالي الذي هو على الصراط إذ شهدت لـه: {..إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }: (43) سورة الزخرف، حتى لا نكون من المغضوب عليهم، الذين حرموا أنفسهم مما أعددته لهم من الفضل والخير، وخسروا ما هيأته لهم من النعيم المقيم لأنهم عرفوا وانحرفوا.

(لا تجعلنا يا إلهي ممن عرفوا نعمتك، ثم ننكرها فتعمى قلوبنا فنكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوَّةٍ أنكاثاً، من أجل دنيا فانية).

{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (1 ـ2) سورة العصر(1).

واحفظني يا إلهي برسولك ونوره السامي المنير مِن أن أضل فإنك ربٌّ رؤوفٌ رحيم وإنك مصدر كلِّ فضيلةٍ وخير، ومن ضلَّ عنك فلن يفعل خيراً أبداً، ومن ضلَّ عنك هلك وخسر خسراناً مبيناً.

والضالين هم الذين لم يهتدوا إليك وضلوا عنك وعن رسولك، فلم يهتدوا بهدْيك وما عرفوا أسماءك الحسنى ولم يشهدوا صفاتك العليا، لأنهم ضلُّوا عن بابك وباب العالَمين العالي تاج أهل القبول خاتم كافة الأنبياء والمرسلين، ولا تحرمنا يا رب منه ومنك أبداً سرمداً يا رب العالمين يا رحمن يا رحيم، وبذا نكون كما أمرتنا على الصراط المستقيم فندخل جنّات النعيم وبالآخرة إلى جنات الخلود.

فملخّص القول:

أن الصراط المستقيم هو طريق الإنسانية، حيث أن النفس المستشفعة بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، تستأنس بالله وتشتق منه تعالى صفات الكمال ويستأنس بهذه النفس كل إنسان ومخلوق لما نالت من صفات الرحمة والعطف والحنان والحب الإلهي وفاضت بها على من حولها. إذن الصراط المستقيم: هو طريق الإنسانية الحقيقية بأسمى معانيها الذي لا ريب فيه ولا انحراف عن الكمال والخير العميم.

عودٌ على بدء:

ما حقيقة الصراط المستقيم! وهل هو في يوم القيامة، أم في دنيانا؟

ورد في كثير من الروايات والكتب والتفاسير أن الصراط المستقيم أدق من الشعرة وأحدُّ من السيف، وأنه فوق نار جهنم وعلى كل مخلوق أن يمرَّ عليه مؤمناً كان أم كافراً. والكافر بالطبع يهوي في سقر.

أما المؤمن إن كان مضحيّاً بخاروفٍ معلوف فإنه يمتطيه يوم القيامة ويجوز به فوق الصراط إلى الجنة ويسلم من نيران الحريق.

وإذا رجعنا إلى كلام الخالق العظيم في القرآن الكريم والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ربِّ العالمين لرأينا في سورة الفاتحة طلب الهداية إلى الصراط المستقيم:

{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}: وهذا يتناقض مع ما ورد بالروايات الكثيرة السابقة، من أننا حتماً سنجوز عليه سعداء كنّا أم أشقياء.

كما أنه تعالى يخاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: {...إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} سورة الزخرف (43). فهل يجلس صلى الله عليه وسلم على هذا الصراط المستقيم الذي هو أدق من الشعرة وأحدُّ من السيف، وكيف يجلس، ولِمَ يجلس؟!

والخطاب بقوله تعالى: {..إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: الآن.

أما الصراط المستقيم الذي اختلقوه فيُروى بأنه يوم القيامة!

والأكبر من ذلك بكثير قول سيدنا هود عليه السلام:{..إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } سورة هود (56) فهل يتجسَّم ربُّ العالمين ويجلس على هذا الصراط الأرق من الشفرة على حدِّ قولهم وما زعموه! (وحاشا لله).

أم للصراط المستقيم معنىً آخر؟

للإجابة على هذا السؤال لا بدَّ لنا من الرجوع إلى آيات الذكر الحكيم وإلى مرجعنا وكتابنا (القرآن الكريم) لكي تنجلي الحقيقة ونستبينها، فهو السِفْرُ الذي لا يضل من استهدى به، وهو مجلى الحق المبين.

إذا نظر أحدنا حقّاً نظرة المتدبِّر لآيات القرآن الكريم فسوف يتبيَّن له من خلال تلك النظرة وبلا أدنى شك معنى كلمة:{الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}: جلياً واضحاً، وسيزول الالتباس ويذهب زيف كل ما قيل خطأً عن الصراط: من أنه جسر فوق جهنم أحدُّ من السيف وأدقُّ من الشعرة، وأن منهم من يمشي عليه مسرعاً يوم القيامة، ومنهم من يمشي جثياً، ومنهم زحفاً، ومنهم من يبعد عنه، ومن قدَّم كبشاً (خروفاً) ذبحه امتطاه يوم القيامة فوق الصراط وتمسَّك بقرنيه، فيجوز به فوق الصراط، ومنهم من يجتازه بسرعة البرق الخاطف.

ولكن هذا الكلام كله قد نقبل به لولا أن إبليس الخبيث قاعد لهم بالمرصاد على الصراط المستقيم، فلا يسمح لأحد بدخول الجنة، إذ يمنعهم من اجتيازه فيهوون بسببه إلى نيران تلظى، لأن إبليس كما توعَّدنا نحن بني آدم بقوله لرب العالمين بالآية الكريمة: {..لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} سورة الأعراف (16) كما قالوا غير ذلك من الترهات والأوهام والأقوال المتناقضة كهذه السابق ذكرها حيث جعلوه تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وإبليس الخبيث على الصراط على جهنَّم! التي بثوها في عقول الناس.

فالصراط المستقيم ليس جسراً فوق جهنم، إذ هو في الدنيا وليس في الآخرة، فآيات القرآن موضِّحة ذلك تماماً:

{..وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} سورة النور (46) أي: يهدي الآن في الحياة الدنيا كلُّ من يشاء الهداية إلى الصراط المستقيم.

وقال تعالى في سورة المؤمنون (73): {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. فالرسول يدعو الناس جميعاً في الدنيا إلى الصراط المستقيم.

هذا ولمَّا قلنا أن إبليس توعد بالقعود لبني البشر وإضلالهم عن الصراط في هذه الحياة الدنيا إذ: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} سورة الأعراف (16). أي: أنه لن يمكِّن أحداً من السير على ذلك الصراط الحق بل يغويهم ويغريهم بالسفالات ويضلهم عن صراط الحق.

إذاً ومن خلال الآيات التي ذكرناها وغيرها الكثير، يتبيَّن لنا أن الصراط هنا في الدنيا، كما يتبيَّن لنا أن الصراط هو دعوة رسولنا الكريم ودعوة الرسل والأنبياء جميعاً.

قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} سورة الصافات (118) يقصد تعالى سيدنا موسى وهارون عليهما السلام.

وشهادة الله لرسوله العظيم:{إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} سورة يس (33-4)

وكذلك قول سيدنا عيسى عليه السلام:{إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} سورة آل عمران (51).

فما هو ذلك الصراط الذي كان شرعةً ومنهاجاً للرسل الكرام صلوات الله عليهم أجمعين، والذي نطلب نحن من الله في كلِّ صلاة من صلواتنا أن يهدينا إليه كما في سورة الفاتحة: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}.

فالصراط: هو الطريق وهداه إلى الطريق بمعنى: أرشده إليه وبيَّنه له وعرَّفه به، لكن ما هو الطريق المستقيم؟

إنه طريق الإنسانية للوصول بالأصول بنفوسنا لحضرة الله الذي هو حقّاً طريق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه تعالى في سورة الزخرف الآية (43):

{..إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: فهو صلى الله عليه وسلم الذي دعا للإنسانية المثلى حقّاً، قولاً وعملاً، فكان نبراساً للبشرية في كرمه ورحمته وإحسانه وشجاعته وعلمه وإنقاذه لبني الإنسان جميعهم من ظلمة البعد عن الله والأخذ بأيديهم إلى أنوار الإيمان ومراتع الجنان. وها هم أصحابه الكرام قد اهتدوا على يديه فأصبحوا من بعده أيضاً دعاة الإنسانية والأنس بالله أعلاماً ومنارات وإلى عصرنا هذا، فكانوا دوماً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق الحق.

ولكن كيف نستطيع أن نصل إلى تلك الإنسانية وماهيتها؟ وكيف نستطيع سلوك ذلك الطريق إليها؟

نقول: تتم الإنسانية بالإيمان والوصول للإله والأنس به بالصلاة الصحيحة فننال الصفات الحميدة الرحيمة الإنسانية بها من حضرة الله، ويأنس بنا كل مخلوق لأننا نصبح ينابيع الخير من الحضرة الإلهية للبشر.

هذا وإن لطريق الإنسانية مسلكين:

ـ فالمسلك الأول: هو سلوك طريق الإيمان بالله إلى أن يصل الإنسان ويلمس الوجود الإلهي من ثنايا صنعه تعالى فينعم بالقرب من ذلك الجناب العالي، وذلك بأن يتبع ملة أبينا إبراهيم عليه السلام حينما فكَّر بمن يربِّيه ويمدُّه إلى أن وصل إلى لا إله إلاَّ الله، فأراه الله تعالى طريق الحق، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} سورة الأنعام (75): وكذلك أيضاً كل إنسان إذا طلب مثلما طلب سيدنا إبراهيم عليه السلام ونظر مفكراً متأملاً في مناظر الله الكونية وآياته يُريه اللهُ كما أرى أبانا إبراهيم عليه السلام.

فكيف حصل سيدنا إبراهيم عليه السلام على هذه المعرفة العالية والسيْر القويم على صراطٍ مستقيم؟

{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي..} سورة الأنعام (76): لقد بحث أولاً عن المربي، نظر في التربية، رأى نفسه نطفة كيف تربَّت هذه النطفة في بطن أمه؟ هذا دعاه لأن يعرف المربِّي ويقدِّره، فتقدير الخلْق والصنع يصل بالإنسان لتقدير الخالق، إذن نظر في الكوكب والقمر والشمس وفي خلق وترتيب جسمه فاستعظم الخالق واتجهت نفسه إليه حامداً مستعظماً مقدِّراً إياه تعالى من ثنايا صنعه وخلقه وإمداده وتسييره له وللكائنات.

إذاً طريق معرفة الله هو التفكير بالكون: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ..} سورة البقرة (130): وسفه نفسه أي ضيَّعها، تركها جاهلة وما دلها على الله من آلائه تعالى.

والإنسان لا يستطيع التفكير ما دامت نفسه متعلَّقة بالدنيا، لذلك كان من الواجب علينا التفكير بالموت والتيقُّن به، وكيف سيأتي يوم نفارق فيه هذه الدنيا بما فيها من أهل وأحباب وسنترك كل هذه الشهوات.

أقول: إذا فكَّر الإنسان هذا التفكير يستطيع عندها أن يفكِّر في آيات الكون كما فعل سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي راح يفكِّر بالقمر من بعد أن أفل الكوكب، وفي الشمس من بعد أن أفل القمر، طالباً الهداية ممن لا يأفل ولا يغيب الدائم الممدّ على الدوام والوصول إلى ذلك الإله العظيم الذي لا يغيب لأنه يمدّنا ويمدّ الكائنات بالحياة والوجود، فلو غاب لفنينا ولم يبقَ لنا بقاء. فالرب هو إله النجم والقمر والشمس وربنا ورب العالمين.

عندها التفتت نفسه إليه تعالى فاستنار بنوره واستأنس به جلَّ جلاله إلى أن عرف المربي فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} سورة الأنعام (79): وكذلك كل إنسان إذا فكَّر في بدايته يوم كان نطفة، ونهايته حين سيموت، ثم تابع ذلك في أن نظر في هذا الكون طالباً الوصول إلى من يمدّه ويرعاه صادقاً في ذلك الطلب، فطالب الحق والحقيقة هذا سرعان ما يلمس الوجود الإلهي ويهتدي إليه، عندها يستقيم على أمر ربِّه، إذ علم أنه تعالى معه دائماً، ممده ومراقبه، وبتلك الاستقامة تكتسب نفسه ثقة برضاء الله عنها، عندها يستطيع أن يصلِّي ويقيم الصلة القلبية والاتصال بالله ويقبل بوجهه على الله فيرتشف الكمال من صاحب الكمال جلَّ وعلا، ويصبح إنساناً إنسانياً ذو رحمةٍ ورأفة وعلم وشجاعة، إلى ما هنالك من صفات الكمال التي اكتسبها بإقباله على ربِّه.

بعد ذلك سوف يعامل الخلْق كلهم بتلك الإنسانية التي اكتسبها وسوف يكسب الخيرات، ولهذا خُلق، وله خُلقنا.

إذاً هذا الطريق للوصول إلى الله ونوال تلك الإنسانية المنشودة من حضرة الله هو الصراط المستقيم.

ـ أما الطريق القيِّم الثاني (والذي يقوم ويُبنى على ذلك المسلك الأول) للصراط المستقيم فإنما: هو اتباع مناسك وقلائد الحج، الذي يصل بالإنسان إلى أعلى معاني الإنسانية بالصحبة النفسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

الحج: تلك الرحلة الكبرى والدورة العظمى والطريق الأقوم وعليه ينطلق الحاج المؤمن بعد سلوكه الصراط الأول مهاجراً إلى ربِّه مخلِّفاً وراءه كل ما يُشغل النفس من مال وأهل وزوجة وولد، ليلقى في طريقه المشقات والأهوال، وذلك ما يجعل النفس تزهد في الدنيا وتعافها. لنيل شهادة الحج الكبرى.

ومن أجل ذلك وضع الله تعالى الحج في جوف الصحراء في تلك البلاد النائية المقفرة (حيث لا ماء ولا شجر) الخالية من حب الدنيا، لأن الدنيا هي التي تسدُّ سمع الإنسان وتطمس على بصره وتجعل القلب غافلاً عن ذكر الله.

إذاً يبقى ذلك القاصد وجه ربِّه يكابد ويعاني مشاق الطريق، شاقاً عرض الصحراء إلى أن يصل إلى مكان الإحرام فيُحرم بخلعه أثوابه المخيطة ولبسه البياض من الثياب التي لا مخيط فيها ويكف كليَّاً عن اللغو واللهو وما إلى ذلك من مناسك الإحرام وقلائده.

وفي الإحرام ما فيه من ذكرى لتلك الساعة الرهيبة، أي ساعة الموت التي سيخلع فيها كلُّ إنسان الدنيا بما فيها ويلبس ذلك اللباس الأبيض (الكفن)، فلا مناصب ولا قيم دنيوية، بل سوف يتساوى الملك والخادم ويكون الجميع على صعيد واحد لا فرق لأبيض على أسود.

ويبقى هذا الحاج المحرم يقلِّد حال الموت فلا يقلم ظفراً ولا يأتي غسلاً، حتى أنه لا يحك رأسه، ولا يقرب النساء وما ذلك إلاَّ لتصبح حقيقة الموت ماثلة بقلبه معقولة عقلاً لديه. والغاية من ذلك كله أن الدنيا جيفة، فيلقيها من قلبه ويزهد بها ويزهقها لتزول الحجب عن النفس لتشهد شهوداً قلبياً يقينياً ألا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله.

وحينما يصل هذا الإنسان إلى الكعبة ويطوف، وفي الطواف هناك الإضطباع بالرداء والمشي رمَلاً، أي الهرولة مع تحريك الكتفين، وفي ذلك إعلان هذا الإنسان خضوعه لحضرة الله، وعبوديته له، وتذلل رضائي اختياري لله بين يديه تعالى ليتخلى عن كبرٍ لديه، فقد تخلى عن الصور الزائلة للحقائق الباقية. فلم تعد للمناصب ولا للجاه قيمة أمام ذلك الجناب العظيم جلَّ بهاه.

وكذلك في السعي يقوم في النفس حال تشعر به النفس بقبول الله لها فتسعى مهرولة مسرعة إليه، متنازلة عن كبرها وعجبها، فيركض رمَلاً كالأطفال مرتمياً بنفسه على بارئها.

فبالإحرام ذكرى الموت، وبالطواف التواضع والخضوع لله.. ومن تواضع لله رفعه.

ويبقى كذلك ممارساً ومتمرساً على الصلاة والسعي يمرِّن نفسه على الخضوع والصلة بالله والصلاة بما قام به من طواف وسعي حول الكعبة وبين الصفا والمروة حتى صفت النفس وزكت. إلى أن يجتمع هذا الحاج مع الحجيج كلهم في عرفات.

وفي الطريق إلى عرفات يبيت هذا الحاج في منى، وإن لاسم هذا المكان مدلول، أي أن هذا الحاج يشعر بقربه نوال أمنياته التي طالما تكبد من أجلها المشاق، إذ الحج هو المقصد إلى عظيم جلَّت عظمته ورحمته.

ومن ثم ينطلق هذا الحاج للوقوف في عرفات بعد أن اشتبكت نفسه في الكعبة بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم إثر طوافه وذكره وصلاته في المسجد الحرام وبين الصفا والمروة، ويمتد به الوقوف ويواصل التلبية والذكر لا يفتر ولا يسكن ولا تنقطع نفسه لحظة عن الإقبال على الله. وتتسامى هذه النفس عارجة إلى ذلك العالم المعنوي، عالم الحقائق، عالم القدس والشهود، وتتصعَّد ميول النفس وتسمع وتسمو وتتسامى حتى تبلغ الأوج وتصل إلى الذروة، وتصبح أهلاً للرؤية. وهناك تميط الحضرة الإلهية اللثام لهذه النفس المقبلة بمعية نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتي أضحت بإقبالها أهلاً لرؤية الكمال والجمال الإلهي، فتشهد بما يتناسب مع حالها وإقبالها. وهنالك ينطبع على صفحات هذه النفس الحق، وتصطبغ من الله بصبغة الكمال:

{صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً..} سورة البقرة (138): وفي (مزدلفة) يكون هذا الحاج قد دخل على الله وحصل على الغاية من الحج، والذي يكون فيها قد أصبح إنساناً حقّاً، قد أرخت إليه المعرفة زمامها فأضحى بصيراً مشاهداً بالله ورسوله، عارفاً بماهية الحياة وأسرارها يميِّز حقيقة الأشياء خيرها من شرها، ويكون له من الله فرقاناً يُريه طريق الحق واضحاً نيراً.

ولعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك هو الطريق الذي أراده الله تعالى لعباده لينالوا منه أعظم عطاء وليصلوا إلى أعلى مراتب الإنسانية، إذ لا إنسانية إلاَّ بمعرفة الله والأنس به، ولا صراط صحيح إلا طريق القرب منه جلَّت عزَّته.

ذلك هو الصراط المستقيم، صراط السعادة والخيرات والنعيم المقيم، صراط الإنسانية بالأنس بالله. عندها تأنس بك كل المخلوقات بما اكتسبت ونلتَ من صفات الرحمة والعطف والحنان والمكرمات.

ولعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ما كان رسل الله به هادين مهديين، وفي تلك المعارج روّاداً سابقين، حتى قرن الله تعالى ذلك الصراط بهم، فقال جل شأنه: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} سورة الفاتحة (7).

فمن هم الذين أنعم الله عليهم؟

قال تعالى {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ..} سورة مريم (58): حقّاً هم روَّاد الإنسانية صلوات الله عليهم، لأنهم ظلوا شاخصين ببصائرهم إلى الله منذ أن خاطب الله تعالى الخلْق جميعاً بعالَم الأنفس بالأزل: {..أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ..} سورة الأعراف (172): وبقوا في ذلك الشهود وإلى أبد الآباد.

وبما أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا فقد غدوا سادات الدنيا والآخرة وصفوة الله من خلْقه وخيرته من عباده أهل البصائر والألباب، لذا اجتباهم الله تعالى لإخراج عباده من الظلمات إلى النور ولينقلوهم من عمى القلوب ويجعلوهم من أولي البصائر.

فهم صلوات الله عليهم يأتون إلى الدنيا للهداية وكشف طُرق الغواية، فهم الهادين المهديين لقول الله الكريم:

{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ..} سورة الأنعام (90): ولأنهم عليهم السلام لم ولا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، فهم لم ينقطعوا عن الله طرفة عين ولن يعصوه في الصغائر والكبائر، فلم ينطبق عليهم لفظ المغضوب عليهم أبداً بل:

{..غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ..} سورة الفاتحة (7): وبما أنهم عليهم السلام هم المبلغون للرسالات السماوية، وهم الذين يهدون أصحابهم ممَّن آمن بهم فينقلوهم من حفر الخيانة إلى قمم الأمانة. لذا فالأنبياء الكرام هم الهادين المهديين.

كذلك لا ينطبق عليهم أبداً لفظ: {..الضَّالِّينَ}: لأنهم دوماً شاخصين ببصائرهم لربِّهم، فلم يضلوا طريق الإنسانية: {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}.

اللهم اهدنا طريق الإنسانية الذي يدعوننا إليه لنستأنس بك بنورهم عليهم السلام، كما هم بك وبنورك مستأنسون.

ولنتخلق بأخلاقك القدسية وتفيض بها علينا من لدنك من فيوضاتك القدسية السامية وعلى عبادك ليعودوا من التجافي والبعد عنك إلى القرب والزلف من جنابك العظيم فيحظوا بجناتك العلى والتي لها خلقتنا، ويغدو الإنسان في هذه الدنيا أخو الإنسان فلا يهضمه ولا يظلمه بل يقدِّم أخاه الإنسان على نفسه بغية رضاك يا أرحم الراحمين، وبما تغمره من فيوضات النعيم المقيم والحياة العالية بالصلة بك بالصلاة.

اللهم: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}.
والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الصراط المستقيم، في الدنيا؟ أم في الآخرة؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتديات الإسلامية :: المنتدى الإسلامى العام-
انتقل الى: